-
في دماغ الإنسان فصان متشابهان، الفص الأيمن والفص الأيسر، وهما متشابهان إلى حدّ كبير من حيث التشريح والمظهر، لكن هناك فرق كبير في الوظيفة وطريقة تعامل كل منهما مع المعلومات، إذ يتحكم نصف الدّماغ الأيسر في الفهم والتفكير المنطقي والنقدي وتركيب الكلام ومع الحساب والتعامل مع المنطق والأرقام والتحكم في حركة العضلات الكبيرة. كما أنه أكثر أهمية في استشعار المكان وجود الجسد في الفضاء، وفي وظائف التواصل غير اللفظي واستشعار الروائح والأصوات والتذوق. ويتحكم نصف الدّماغ الأيمن في الإبداع وحفظ الاتجاهات والأماكن والمهارات الفنيّة والتّعرّف على ملامح الوجوه وفهم العواطف وإدراكها وفي التعبير عن المشاعر وفي فهم وتأليف الموسيقى وتقدير الألوان والصور وهو الفص الأقوى في استخدام الخيال.
وهناك "جسر" واصل بين جانبي الدماغ يسمى "الجسم الثفني" (Corpus Callosum) وهو شريط سميك من الألياف العصبية تقدر بحوالي 200 مليون محور عصبي. ويسمح الجسم الثفني لنصفي الدماغ بالتواصل مع بعضهما، وبمعالجة المعلومات ومشاركتها مع الجانب الآخر من الدماغ.
وتتراكم الأدلة بشكل مضطرد على وجود عجز كبير لدى غالبية الناس في الاتصال بين جانبي الدماغ، وعلى أن التواصل بين فصي الدماغ لا يحدث بشكل تلقائي ومتواصل إلا نادرا بل يحتاج لإجراءات معينة تسرع التواصل بين جانبي الدماغ. وهذا الفصل والتكامل بين جانبي الدماغ واحد من عناصر التباين بين شخصيات الناس ومما يفسر مواقفهم الاجتماعية، ومما يفسر الكثير من القرارات اليومية. ويمكن للمتخصصين الحكم على مصدر الكثير من المواقف والقرارات من أي جانبي الدماغ جاء. وهذا مما قامت عليه دراسات الدكتور فريدريك بريمر الذي درس أهمية وآليات وأثار التواصل بن جانبي الدماغ، وكتب منذ سنوات أن فعالية عمل الجسم الثفني "يخدم أعلى أنشطة الدماغ وأكثرها تفصيلاً، ألا وهو الإبداع"
ونظرا للدور المختلف لكل من جانبي الدماغ، فقد يكمن الكثير من تطور الإبداع في فعالية التواصل بين جانبي الدماغ وسرعة وسهولة هذا التواصل وبالتالي تكامل ودمج ذلك النوعين من وظائف جانبي الدماغ. وقد أظهرت الدراسات التي توظف التصوير الوظيفي للدماغ أن الأشخاص المبدعين والناجحين يستخدمون نصفي الدماغ بطريقة أكثر تكاملا وسلاسة من بقية الناس الأقل إبداعا. وبعد وفاة ألبرت أينشتاين وجد من تشريح دماغه أنه من هذه الفئة. ووجدت دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2012 أن الجسم الثفني أقوى وأثخن وأكثر توصيلا للنبضات والإشارات العصبية لدى الذين يكثرون من ممارسات وتمارين التأمل.
وتفيد الدراسات التي أجريت على حيوانات التجارب، ومما لوحظ في بعض الحالات المرضية لأدمغة البشر أنه إذا انفصل النصف الأيمن بطريقة ما عن النصف الأيسر فإن أنماط التفكير المتخصصة تقتصر على نمط كل نصف على حدة، وتستبعد الحلول الخيالية و "الأفكار الناعمة " والأحلام والأفكار "غير المنطقية". كما تشي الكثير من الدلائل بأن الأشخاص المبدعين يراوحون الذهاب والإياب بين هذه الأنماط المتخصصة في جانبي الدماغ بسهولة أكبر، ويبتكرون حلولا إبداعية للمشكلات التي يظهر للأخرين أنها صعبة الحل.
ولطالما أثبت علماء الأعصاب أن تكرار التمارين الجسدية المتقاطعة بين جانبي الجسم مثل ركوب الدراجات والسباحة والايروبيكس والجري والتنس وتنس الطاولة وكرة المضرب تساعد نصفي الدماغ على التواصل والتنسيق بينهما، وأن تكرار هذه التمارين يحفز النبضات الكهربائية والتي تشير إلى مرور الرسائل والمعلومات بين جانبي الدماغ. وفي المقابل كلما زاد اتصال نصفي الدماغ أصبح أداء تلك الحركات أسهل. ومن التمارين التي ثبت أنها تحسن التواصل بين جانبي الدماغ تمرين "الزحف المتقاطع" وهو شكل من حركات الجسم المتقاطعة بين جانبي الجسم (مثل الزحف على الركبتين واليدين، ولمس مفصل الركبة الأيمن بالمرفق الأيسر.... وما شابههما) ومن أمثلة هذه التمارين أيضا السباحة حيث تتبادل أطراف الجسم الأربعة الحركة بالتقاطع بينها وتنسيق حركة الذراع اليمنى مع الساق اليسرى، ثم الذراع اليسرى مع الساق اليمنى. وهذه الحركات المتقاطعة بين جانبي الجسم لا تحسن التواصل بين جانبي الدماغ فحسب بل تساعد أيضا على تعزيز الأنشطة القائمة على التفكير باستخدام قدرات كلا جانبي الدماغ معا، مثل تسريع تعلم اللغة والقراءة والقدرة على التركيز.
وبتطبيق خواص رياضات التقاطع بين جانبي الجسم، فإن ما يحدث أثناء المشي هو تكرار لهذه التبادلية بتأرجح الذراعين بشكل طبيعي وهذا التأرجح له أيضا فهم ميكانيكي متعلق بالحركة حيث يساعد المشي في تقليل "العزم الزاوي" أو "العزم الحركي" الذي يوازن دوران الجسم ويحسن الاستقرار ويحقق كفاءة الطاقة. ويتضح دور هذا التأرجح في الجري وغيره من الألعاب الرياضية الأكثر حاجة للتوازن وكفاءة الطاقة.
والتأرجح الذي يحدث بتلقائية لدى كل البشر أثناء المشي يحقق تلك التبادلية بين جانبي الجسم إلا أن المشي رياضة أكثر تكرارا وسهولة ولا تتطلب مهارة ولا تدريبا مع أنها تقدم نفس المفعول في إشراك الجسم الثفني في التواصل بين جانبي الدماغ. ومن الطبيعي أن يتحسن ذلك التواصل والتفاعل الإبداعي بين جانبي الدماغ كلما مشى الإنسان أكثر وفي مشي المسافات الطويلة التي طالما مارسها الإنسان على مدار آلاف السنين. قبل أن يعرف بقية الرياضات المقننة. يقول جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي في كتابه “الاعتراف”: “أستطيع التفكير والتأمل فقط عندما أمشي. وعندما تتوقف ساقاي عن المشي يتوقف ذهني عن التفكير”
وقد أصبح من المؤكد أن الجسم الثفني يمكنه نقل معلومات عالية المستوى بين جانبي الدماغ تتجاوز الإشارات العصبية الحركية إلى التواصل العصبي المتخصص والمتعلق أكثر بالتفكير. وقد خلصت دراسة جامعة ستانفورد الشهيرة التي ربطت بين المشي والإبداع أن 60٪ من الأشخاص الذين يمشون بانتظام أكثر إبداعًا من نظرائهم من غير المشاة.
ومن الباحثين من عزا الإبداع الذي يضيفه الانتظام في المشي إلى تغيير وتحرك الصور من حولنا، وأن تحرك هذه الصور يعزز المهام التي تتطلب إبداعًا متشعبًا مقارنة بما يحدث في حالة توقف للصور التام من حولنا ومقارنة بسرعة تغير المشاهد من حولنا وصعوبة التأمل فيها عندما نتحرك بسرعة السيارة أو الدراجة. ومن التفسيرات التي تدعم دور المشي في الإبداع بين فصي الدماغ زيادة تدفق الدم والأكسجين وتنقل الإشارات العصبية وفق وثيرة عالية وثابتة. ومن التفسيرات التي تشرح دور المشي في الإبداع أبضا الإيقاع المتواتر والمنتظم لخطواتنا تمامًا كما يحدث بسبب الإيقاع الموسيقى المتكرر ودوره في تحسين مزاجنا، ويمكن للخطوات الرتيبة أن تحفز وتشكل أفكارنا مع إيقاع حوارنا الداخلي وبين فصي الدماغ. ومن التفسيرات أيضا أن المشي يجذب بعضا من انتباهنا نحو لاهتمام بتعرجات الطريق ويشتت الانتباه في قشرة الدماغ الجبهية (prefrontal cortex) المسؤولة عن ترتيب وتدفق المعلومات وبالتالي يسمح لأفكار جديدة أو بديلة بالتسلل نحو إدراكنا. ويضاف لذلك تحسين المشي للحالة المزاجية التي تدفعنا لاستكشاف مفاهيم أفضل في التفكير.
إن المشي يحفز المرونة والتواصل العصبي بين خلايا الدماغ في مناطق ومراكز مختلفة في كلا جانبي الدماغ. كما ثبت أن تكرار المشي يزيد حجم وتطور عمل "الحُصين" (hippocampus) الذي يتخصص في التعلم والذاكرة وتطوير اللغة، ويحفز نمو الخلايا العصبية الجديدة فيه. كما يقي الانتظام في المشي من شيخوخة أنسجة المخ.
المشي استراتيجية موثوقة وسهلة وفعالة لتحفيز نمو عقلك وتطوير تفكيرك وإبداعك، ويوصلك إلى ذروة أدائك العقلي وتناغم نصفي دماغك. ويدفعهما نحو إبداع أكثر لذا فمن المطلوب منا أن نكثر من المشي، تلك القدرة المعجزة التي تطور دماغنا، ذلك العضو المبهر في إعجازه وعظمة خلقه.
ودمتم سالمين
د. صالح بن سعد الأنصاري
@SalihAlansari
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
@SaudiHPC