أوقفوا استيراد الطب

  • click to rate

    في صيف 2004 ولدت لي طفلة لديها تشوه خلقي نادر في القلب يوصف بـمتلازمة "ضمور القلب الأيسر" وهي حالة تتعارض عادة مع استمرار الحياة، إلا أن الطب تقدم كثيرا في التعامل مع هذه الحالات بالجراحات العاجلة والمتتالية، والتي قد تصل إلى حد زراعة قلب من طفل آخر.
    وفي خضم الألم والأمل، كثفت اطلاعي على تفاصيل مشكلة هذا التشوه الخلقي المعقد وما وصل إليه التقدم الطبي حوله وما يمكن عمله من تدخلات في مستشفيات المملكة التخصصية وما قد يحتاج إليه الأمر من نقل الطفلة للعلاج في الخارج. وفي اجتماع مطول مع أحد جراحي قلب الأطفال السعوديين المتخصصين والذي عاد حينها لتوه من أمريكا، اطلعت على السياق الشامل لرعاية مثل هذه الحالات في النظام الصحي في الدول المتقدمة.
    ومما أطلعني عليه أن هذه الحالات وأسرهم والأب والأم التي يولد لها أطفال بهذا التشخيص الصعب تقدم لهم خدمات توعوية واجتماعية ونفسية ولوجستية تشمل حتى حلول المواصلات وقد تصل هذه الخدمات إلى تعويضات عن الغياب عن العمل وذلك لدعم الأسرة من وحمايتها من التأثر والاضطراب بل حتى التفكك بسبب انشغال الأم وغيابها المتكرر في مرافقة الطفلة للرعاية الطبية الطارئة والعمليات الجراحية والأمراض العارضة كالالتهابات التنفسية المتكررة وغيرها. 
    كما أن هناك مؤسسات تطوعية تدعم تلك الأمهات والأسر، إضافة إلى وجود العديد من الروابط ومجموعات الدعم من الأسر التي لديها حالات مشابهة لتقديم دعم معرفي ونفسي واجتماعي للأسر والأمهات. وهذه الخدمات والظروف الداعمة تقدم -إذا اختارت الأسرة- استمرار الرعاية الطبية المتقدمة وإخضاع الطفل للتدخلات الجراحية المتاحة برغم معرفتها بأن نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال لا يتجاوزون سن العشرين كما هو متوقع طبيا.
    وعندما تساءلت عما هو متاح من خدمات متخصصة وشاملة من خلال المستشفى المتخصص الذي يعمل فيه، أوضح لي جراح القلب أننا هنا نركز على الجزء العلاجي و"التدخلات الميكانيكية" في إصلاح التشوهات من ترقيع للفتحات غير الطبيعية وتحوير مسارات الأوعية الدموية على مراحل وبحسب الحالة. وأضاف "وفيما عدا ذلك فلست مطمئنا على ما قد يترتب على استمرار حالة الطفلة ورعايتها الطبية في البيت وغياب الأم المتكرر عن الأسرة من آثار. وقال لي بالحرف الواحد بالانجليزية "نحن نستورد الطب الحديث خارج سياقه الشامل"
    وبعد وقت طويل من التفكير والاطلاع ومن الاستشارة والاستخارة حول نقل الطفلة للمستشفى المتخصص وما قد تستغرقه من وقت رغم التدخل العاجل المطلوب وما قد ينعكس على الأسرة والأم وبقية الأطفال أثناء مراحل العلاج رأينا في قرار صعب وقاسي على الجميع أن نكتفي بالتدخل البسيط مثل التغذية الوريدية والأوكسجين في العناية المركزة، وأن نوافق على عدم إعلان "الرمز الأزرق" الذي يستدعي الإنعاش القلبي والرئوي العاجل في حال توقف قلب الطفلة العليل والاكتفاء بإنعاش خفيف وعدم إرهاق الطفلة ذَات الشهرين بتدخل شديد وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، رحمها الله.
    هذه صورة مصغرة عن "استيراد الطب" خارج سياقه. أما في المشهد الأوسع للصورة فعلينا التأمل في استيراد العلوم والتخصصات المساندة بالتوازن والشمول الذي يخدم صحتنا. فقد كان استيرادنا منقوصا ولا يشمل مهارات الوقاية وتعزيز الصحة وتوظيف العوامل التوعوية والسلوكية والدعم المجتمعي المطلوب والتخصصات الداعمة واللازمة لنجاح الخدمات الطبية ولا الصحة العامة في بعدها الأشمل كما يحدث في الدول التي استوردنا منها الطب الحديث. 
    ففي الأنظمة التي استوردنا منها، يوظف السياق الشامل للتخصصات الداعمة التي من شأنها الحد من الانتكاس وحدوث المضاعفات وتكرار إعادة تنويم المرضى بعد خروجهم والذي كثيرا ما يحدث لدينا بأسباب مثل ضعف الوعي باستخدام الدواء أو الفشل في تعديل النمط المعيشي والسلوكيات التي تفاقم المشكلة سريريا. والسبب في ذلك نقص الخدمات التوعوية والاجتماعية والنفسية خارج النطاق العلاجي. كما أن الأنظمة الشاملة للصحة في أفضل أحوالها تشمل القدرة على معرفة حجم المشكلات الصحية في المجتمع وتقدير الحالات التي ستنهال مستقبلا على النظام الصحي بدون ذلك الدعم المجتمعي من داخل وخارج السياق الطبي.
    إن الاستيراد المتجزأ للتخصصات والأنظمة والخدمات الصحية هو مما يجعل المرضى لدينا يخرجون من المستشفيات ليعودوا إليها بمعدلات أعلى مما يحدث في الدول المتقدمة، ويدخل الكثيرون منهم ممن لم نقدم لهم خدمات وقائية وسلوكية في المجتمع،،، وهكذا سنكون كمن يحفر في الماء. 
    ولو قربنا الصورة لتشمل المشكلات الصحية الأخرى بتنوعها، لوجدنا أننا ركزنا على تخريج الكوادر وتطوير التعليم الطبي مركزين بشكل أكبر على تخصصات علاجية بالدرجة الأولى أكثر بكثير مما يحدث في التخصصات الوقائية و"المساندة". ولو أخذنا على سبيل المثال مشكلة كبرى مثل السمنة، وعملنا على تطوير تخصص طب السمنة لوجدنا أن تأهيل كل طبيب يتعمق في هذا التخصص يحتاج إلى توفير متخصصين في التغذية والنشاط البدني وعلوم السلوك وطب النمط المعيشي...إلخ، وأن علاج مشكلة السمنة في بعدها السريري لا يكفي، بل يتطلب أيضا الاهتمام بتقييم وتغيير التصورات السائدة وتطوير التخصصات المتعلقة بالسمنة مثل حماية المستهلك والصحة المدرسية وعلوم السلوك المجتمعية... إلخ كما يحدث في الدول المتقدمة، والا فسيكون إثر تخريج دفعات من أطباء السمنة هو مزيد من استيراد الطب خارج سياقه مرة أخرى. 
    ولا يفوتني أن أذكر بأن لدينا سياقا يتطلب المراجعة، كاستيراد التخصصات والعلوم الصحية ذات البعد المجتمعي كما هي، وتدريسها وتداولها في الوسط الطبي باللغة الإنجليزية كما يتكرر في مؤتمرات التوعية الصحية وتعزيز الصحة، مما يفقدنا الكثير من القوة والتأثير في المجتمع المحلي بلغته وثقافته، والحديث في هذا يطول… 
    ختاما،،، لو أخذنا كمية ونوعية وسياقات التخصصات الداعمة للخدمات الصحية في بعدها الشامل وفي اضطراب التوازن وتناقض المحتوى الثقافي، لحق لنا أن نوجه دعوة تقول "أوقفوا استيراد الطب" وركزوا على إحلال التوازن في سياق شامل يخدم المجتمع وليس المرضى فقط، ويخدم الصحة وليس المرض فقط...
    ودمتم سالمين

    د. صالح بن سعد الأنصاري

    @SalihAlansari
    مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
    المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
    @SaudiHPC