-
تعودت منذ انخرطت في السلك الصحي أن أحضر الكثير من المؤتمرات الثرية بالنقاشات والحوارات النشطة وعرض الأوراق التي يحضر فيها المتحدث ورقته لطرح متماسك ومقنع ومستعد وللدفاع عن أفكاره والإجابة على الأسئلة والتحديات العقلية والمعلوماتية بعد تقديم ورقته. وكثيرا ما كانت تنتهي الطروحات بالانطباع عن متحدث مقنع وآخر أقل إقناعا و "المقتنع" من الحاضرين و "غير المقتنع". ولطالما كان مطلوبا من المؤتمرات العلمية أن تكون ميادينا للاشتباك الفكري ومنصاتٍ يُفترض أن يُخضَع فيها كل طرح للتمحيص والمساءلة.
ولأول مرة أرى نمطا مختلفا ومستحدثا في عقد المؤتمرات كان في سلسلة مؤتمرات دافوس (المنتدى الاقتصادي العالمي) وهي سلسلة مؤتمرات تأسست عام 1971 تعقد كل يناير في بلدة دافوس في سويسرا ثم أصبحت أبرز تجمع سنوي لقادة السياسة والاقتصاد لمناقشة التحديات العالمية المختلفة. وفي نموذج دافوس يقدم المتحدثون طرحهم من مقاعد بيضاء وثيرة مصفوفة بأناقة ملفتة، ويلقي المتحدث طرحه -أحيانا دون ورقة أو عرض- ويدير المقدم الوقت بين المتحدثين وقليلا ما يثير نقاشات تتحدى الأفكار أو تنقل التساؤلات المتوقعة والمهمة. وقد انتشر هذا النسق من المؤتمرات الفخمة والمبهرة وأصبح يتكرر في تنظيم مختلف المؤتمرات، ومنها المؤتمرات الصحية موضوع مقالنا اليوم.
في هذا المقال أستعرض كيف قد ينعكس هذا النموذج من إدارة المؤتمرات على جودة الطرح العلمي وتناول القضية الصحية وعلى إدارة مواردها وعلى إسهامها المطلوب في تحسين الخدمات وجودة الحياة على أرض الواقع. وأركز على تأثير هذا تكرار النموذج على المؤتمرات الصحية المتخصصة على طريقة تقديم الخدمات الصحية والصحة العامة وعلى تكامل مستوياتها الوقائية والعلاجية والتأهيلية.
الحوار النشط والتغذية الراجعة
القضية الصحية من أكثر القضايا العلمية تعقيدا وتتأثر بعوامل كثيرة ومتنوعة ومتداخلة. لذا فالحوار والنقاش العميق حولها ليس خيارا بل ضرورة للوصول لحلول أمثل تراجع بحرية وشفافية بناء على معطيات الواقع. أما هذا النمط فيقلص المداخلات والنقاشات وتطوير الأفكار ويُبقي الطرح أبعد عن الواقع المعقد، وتقدم المعلومات الجاهزة ويتحول المحتوى التعليمي من "رحلة استكشافية" متعددة الجوانب إلى "وجبة سريعة" جاهزة للاستهلاك. وكثيرا ما يضم الحضور ممارسين صحيين وخبراء يمتلكون خبرات ميدانية متفوقة لكن الجلسات أحادية الاتجاه تقلل تبادلهم للخبرات وبهذا نفتقد كثيرا من مزايا "الذكاء الجمعي". وفي مثل هذا النمط قد يصعب أيضا أن يغامر متحدثون بتقديم أطروحات من التفكير خارج الصندوق أو الجدل. وبهذا قد يبقى الجميع حول الطرح المتوافق عليه ويصبح المحتوى مكررا للمؤتمرات المتشابهة.
إن الحوار الحر المبني على التفاعل في المؤتمرات يعمل كـمختبر حي يناقش الممارسات والتقنيات الجديدة ويسدد ثغراتها العملية قبل أن تفرض على الواقع بما قد تحمله من تحيزات متعجلة تقلص مساحات الابتكار والتفكير النقدي. كما قد تحرم الأجيال القادمة من طلاب الطب وحديثي التخرج الحاضرين من بيئة التعلم النشط ومن تبادل الأفكار العابرة للتخصصات والوصول لنتائج أفضل بأفكار مختلفة.
نموذج اقتصادي أنيق في قضايا أكاديمية معقدة
في هذا النموذج من المؤتمرات يراعى تنظيم الأوراق واختيار المتحدثين مراعيا أناقة الأداء التقديمي واللغة المنمقة وإبراز الإنجازات وتأجيل تقصي الثغرات والتحديات الحقيقية أو الإخفاقات التي يتعلم منها الخبراء. كما يتسم بالكثير من الأناقة التنظيمية المكلفة وغالبا ما يحظى بدعم القطاع الخاص، وتدمج الأهداف التجارية بالخطاب الإنساني والتنموي والشراكة بين القطاعين العام والخاص والشراكة بينهما حتى في رسم السياسات الصحية.
ومن الملاحظ انتقال الطابع الاقتصادي والمالي الذي صبغ نموذج دافوس إلى المجال الأكاديمي الطبي وما يعرف بـ "تنميل الصحة" (Financialization of Health) حيث يظهر فيه عرض الرعاية الصحية كأصل استثماري يعمل على خفض الإنفاق المالي طويل الأجل على الدول وكقيمة اقتصادية تدر عوائد مجزية، ويعزز دور رأس المال في قيادة الابتكار والتمويل ودعم القطاع الحكومي في كونه "منظماً" أو "محفزاً" ويُعطى تركيزا أكبر على الخصخصة وتحسين العائد على الاستثمار وإعطاء الأولوية على الصحة على المدى الطويل والرعاية طويلة الأجل لأنها لا توفر عوائد مالية أكبر.
وعادة ما يغلب على نموذج دافوس "لغة الأرقام والمؤشرات" وقياس نجاح النظم الصحية بمدى كفاءتها المالية وقدرتها على جذب الاستثمار، ولتمكين هذا التحول قد يتطلب إلغاء بعض القيود التنظيمية، وتوظيف هياكل تنظيمية تحكم الجودة وتضبط التنظيمات المالية لكنها تزداد كلفة وتعقيدا مع مرور الوقت وهذا النموذج يوظف الاقتصاد الرقمي وإدارة البيانات بالذكاء الاصطناعي ويفتح أسواقا جديدة للتكنولوجيا الحيوية والطب الشخصي، ويحول الخدمات الطبية إلى أصول مالية يمكن تداولها كمحافظ استثمارية تعظم مردود المساهمين على المدى القصير مثل ما تُدار الأصول العقارية أو الصناعية.
وكثيرا ما يركز نموذج دافوس على "إدارة المرض" بطريقة تفضل الاحتفاظ بالمريض كعميل مستهلك للخدمات والمنتجات باستمرار، وتفعيل الاعتماد الدائم على العقاقير والمنتجات الطبية، وتقدم حلولاً لعلاج أمراض كالسمنة والسكري والمضاعفات الناتجة عنها. ويظهر دعم التعافي من الأمراض المزمنة وكأنه يتطلب وقتاً ورعاية سلوكية معقدة وتغييرات بيئية بعيدة عن الوسط الطبي. وقد يختزل تعديل أنماط الحياة في "قرارات فردية" للمرضى. كما تتناول الوقاية على أنها "منتج" غير قابل للبيع والتسويق.
نموذج دافوس بين مختلف الأوضاع الاقتصادية
واضح أن نموذج دافوس يناسب الدول الغنية التي تتعامل مع الشأن الصحي بتوفير السرير والطبيب والدواء والجهاز مهما تزايد العبء الاقتصادي. وفي المقابل هناك نماذج من المؤتمرات من أجل نتائج صحية أفضل بميزانيات أقل بالتركيز على دراسات الوقاية والرعاية الصحية الأولية والتعمق في دراسات "الصحة في جميع السياسات" التي تفعل دور قطاعات كالتعليم والإسكان والبيئة والزراعة والرياضة والتجارة والنقل... وغيرها. كما يمكن التركيز على دراسات "المحددات الاجتماعية للصحة" للأمراض قبل أن تتحول إلى أمراض مكلفة. ومنها أيضا دراسات "الابتكار المقتصد في الرعاية الصحية" بإشراك المبتكرين المحليين من مهندسين وخبراء ومنظمات المجتمع المدني لابتكار حلول منخفضة التكلفة مثل الاكتشاف المبكر وتدريب الكوادر المجتمعية ومشاركة المجتمع. كما تهتم بعلاج الأسباب الجذرية المرتبطة بأنماط الحياة، وبالإبداع في التوعية الصحية وتجارب التعافي.
في النماذج الأكثر توفيرا من نموذج دافوس يصب التركيز على النقاش والحوار وتدقيق الأفكار العقلية والمعلوماتية ومراجعة التجارب ومحاولات الوصول للحلول الأمثل، والتركيز على تقييم ومكافأة المنظومات الطبية على إبقاء الناس أصحاء وليس على كمية الأدوية المصروفة أو العمليات التي تجرى. فإذا كان نموذج دافوس "يشتري الصحة" كسلعة مكلفة، فهناك نماذج أخرى "تصنع الصحة" بدعم السلوكيات الصحية والوقاية والتكنولوجيا "الملائمة" لا "الفاخرة"
ختاما، نحن بحاجة إلى إعادة أنماط المؤتمرات من "منصات إلقاء" إلى "مختبرات تفاعلية" وورش عمل متخصصة تضمن حرية أكبر لسماع الأصوات المتباينة وارتدادات الميدان، وإلى الانطلاق من احتياج الإنسان أكثر من نمذجة الخدمات الطبية كاستثمار اقتصادي، وإلى التركيز على مقاصد حفظ النفس والانطلاق من مبدأ "الوقاية خير من العلاج" و "دفع الضرر" قبل وقوعه. كما أننا بحاجة إلى مراجعة الاستثمار في الصحة والمرض من منظور استثماري ومنظور حفظ الصحة الموجودة أكثر من الاستثمار في استعادة الصحة المفقودة.
ودمتم سالمين.
د. صالح بن سعد الأنصاري
@SalihAlansari
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
@SaudiHPC